![]() |
|
||||
أبريل 2010 |
نفس | فنان و عمل فني | تونس |
|
منى كراي
|
|
>> صور منى كراي
تونس: الفنانون |
تصوّر منى كراي "الجدران" – وبالتحديد الحواجز المعمارية المهجورة - التي باتت تميّز مدينة صفاقس على نحو متزايد، باعتبار أن صفاقس هي من أكبر المدن الصناعية في تونس وأحد موانئها البحرية كما أنها مسقط رأس الفنانة في العام 1970. أشارت الفنانة منى كراي في مقابلة أجريت معها إلى أن "هذه المواقع المعمارية استقطبت انتباهي بعبثيتها وعدم جدواها والتساؤلات التي تثيرها إزاء مصيرها. هل ستبقى قائمة أم أنها ستهدم قريباً؟ منذ البداية، أثارتني قصص الجدران التي يبدو وكأنها تهمس لي. وقد تعرّض بعضها للتغييرات مع مرور الزمن. أضيفت أبواب ونوافذ إليها أو أزيلت بتعبئتها بصفة مؤقتة بالحطام. ترصّعها آثار الزمن ندوباً. وهي تناسبني بوضعها الخاطئ". [1] إن المصورة التي درست في المعهد العالي للتنشيط الثقافي في تونس وحازت شهادة الماجستير في التصوير والإعلام من معهد طوكيو للعلوم التطبيقية والفنون، تتنقل حالياً بين باريس وتونس. ولدى تلقي والدتها عينات من عملها الفوتوغرافي في اليابان، راحت تتساءل عن أسباب رؤيتها صوراً لابنتها بدلاً من مشاهد طال انتظارها للأراضي الأجنبية البعيدة. وحاولت منى كراي شرح المرحلة التي قامت فيها بالتقاط صور ذاتية على النحو التالي: "في بعض الأحيان، تضطر لمغادرة منزلك والابتعاد، لتفهم القريب منك". وقد أعربت عن اهتمامها بمسألة الهوية في مجتمع يختلف إلى حد بعيد عن مجتمعها الأم. لدى عودتها إلى تونس، استقطبت الاهتمام بتجهيز "المشهد" الذي أنتجته لذكرى والدها بعد مرور عامين على رحيله. وقد حلّت محل صورها مواقع وأماكن تشع فراغاً متثائباً أصبح موضوعاً جديداً تعالجه. فإذا بضريح مطعّم بمقاطع من رسائل وجهتها الفنانة إلى والدها في خلال فترة إقامتها في اليابان. وتظهر هذه المقاطع جنباً إلى جنب مجموعة من الصور لغرفة نوم والديها بهدف إبراز النصف الفارغ من سرير الزواج الذي شغله والدها لعقود. في بعض اللقطات، تبدو والدتها متأنّقة الملبس تجلس بشكل بائس على نصف السرير اليتيم. إن مجموعة صور "همهمة" [2] تثير أيضاً مشاعر حنين مماثلة يصوّرها الضريح وصور سرير الزواج الفارغ. وتشهد الجدران على ماضٍ مجيد، على زمن كانوا يؤدون فيه وظيفة مسؤولة في مؤسسة "أكبر". وإذا كان "المشهد" يروي قصة شخصية حميمة، فإن الحكايات التي تهمس بها "همهمة" أكثر تجريداً وتعقيداً. في هذا العمل أيضاً، يسمح البُعد عن المنزل والغياب الدائم عن المدينة المنشأ لمنى كراي باكتشاف هذه المواقع المعمارية المهجورة باعتبارها وسائل تعبير مناسبة عن التدخلات الفنية. والواقع أن هذه الحواجز التي بنيت في المقام الأول للحماية أو الإخفاء تفقد مصداقيتها عندما تنحط وتتداعى وتتهدم جزئياً. فلا يبقى منها سوى ندوب قذرة تلطّخ سطح المدينة. ومع ذلك، فإنها تشد الانتباه بطريقة معينة، بجاذبيتها الآسرة، وروحها الساحرة، وهمسها الحالم، ووعدها بمغامرات خفية. إن اللغز الكامن في هذه الجدران القاسية ليعزز الرغبة في اختلاس النظر إليها من وراء الأقسام أو حتى اكتشاف حقيقتها. إلا أن التغلّب على "غابات الشوك" هذه لا يؤدي إلى "أميرة نائمة" تحلم بأميرها، وإنما على العكس، إلى مفاجأة غير سارة حتماً تتمثل بأرض مدمرة وحطام وربما آلات بناء مهملة خلّفها المحتلون السابقون. يجدر اعتبار صور منى كراي وثائق واقعية. بتصوير الإهمال المديني، تثير الفنانة تساؤلات حول أسباب وجودها. وبالتالي، قد تستحيل صور الجدران المتهدمة استعارة للوضع الراهن. أما الوضع المتدهور فيبعث الأمل بانهيار الجدران الوشيك الذي بشّرت به شقوق كبيرة في البناء أو حتى الأسوار الممزقة. إلا أن جمال التصوير الفوتوغرافي بالأسود والأبيض ليخفف من قساوة الواقع وحتمية هذه القضية. ويبدو الزمن جامداً في صور كراي فيما يعكس الطابع الاختزالي والتركيبة المفهومية للخطوط الأفقية والعمودية تأثيرات يابانية. ويشير اختيار المربع كشكل أساسي – باعتباره نتيجة آلية للكاميرا المتوسطة الشكل المستخدمة - إلى مفهوم علم الجمال الإسلامي حيث يعتبر المربع عنصراً أساسياً. تحدث الفيلسوف الفرنسي رولان بارت مرة عن "قوة جذب" الصور الفوتوغرافية التي "تميّزه". [3] إذا طبّقت الفكرة نفسها في هذا السياق لاستكشاف قوة "الجذب" هذه، فيمكن الافتراض أن جاذبية عمل كراي لا تعتمد حصراً على مدى تعقيد محتوياته وعلى رمزيته السامية، بل أيضاً على التفسير الشاعري بالأسود والأبيض للموضوع عندما يؤدي أسلوب الفنانة المنهجي والشخصي إلى بعض "الحركة". [4] ملاحظات:
|
|
نَفَس | فنان و عمل فني | تونس |
إتصل بنا | مقدمة الناشر وحقوق النشر | النشرة الدورية | بحث | UiU - home |