|
||||
فبراير 2011 |
|
الأمر كله عن التغيير
|
|
>> صور
إيران: الفنانون |
في قلب طهران، الزاخرة بخمسة عشر مليون نسمة، يكتشف الزائرون اكتشافاً مذهلاً. ففي المتنزه في وسط العاصمة والذي يضم أيضاً مركز معارض اتحاد الفنانين الإيرانيين، تقع حديقة صغيرة للتماثيل. تشبه التماثيل في جلها الحداثة الأوروبية من الخمسينات والستينات بينما يُخَيَل للمرء أنها ستهجم عليه. لربما كان هذا سبب سرقة بعضها. لم يُحَل لغز سرقة الصروح من وسط العاصمة الإيرانية حتى يومنا هذا. في المقابل، لم تُمَس التماثيل المصنوعة من الأسلاك الشائكة والخوذات الفولاذية، التي تعرض ثراث الجنود الإيرانيين الذين سقطوا في الحرب العراقية الإيرانية. في ذات الوقت، وعلى بعد حوالي اثنين من الكيلومترات في مسار مستقيم، يتكاثف الغبار على المقتنيات الفنية الفريدة في متحف طهران للفن المعاصر في متنزه لالي، وذلك على مرأى من العيون الحارسة للزعماء الدينيين آية الله الخميني وعلي خاميني. هذا وقد حول الخبراء الإيرانيون اسم الرسام الأمريكي من أصل هولندي كليز أودينبيرغ إلى الاسم الألماني: كلاوس أودينبيرغ، وذلك تحت صورة من أعماله موضوعة في إطار بلاستيكي يميل لونه إلى الأصفر. وفي المقابل، يتم دورياً تلميع الجدارية المناهضة لأمريكا على جدار سفارة الولايات المتحدة سابقاً. تؤكد الجولة التي تحتوي على ثغرات وكذلك المتحف الغارق في سبات الأميرة النائمة ازدواجية الحداثة في إيران، ذلك البلد الذي يسير في رحلة تتراوح بين الفن والمروق (تكسير الأيقونات). لذلك فإنه من المفاجئ إقامة جولات في المعارض في فترة ما بعد الظهر في أيام الجمعة في طهران. تقمع الحكومة جميع أشكال المجالات العامة غير الرسمية (المعارضة). لكن في غضون ذلك يتبلورهذا النوع من المصغرات في محيط حوالي عشرين معرضاً من مجموع المعارض الخمسين في طهران، ومعظمها تتحمله الطبقة البرجوازية المتوسطة. بينما يشكل معرض آزاد لفنانة أفلام الفيديو روزيتا شرف جهان المولودة في 1962 والمتجذرة في الحركة النسوية اليسارية من الثمانينات استثناء. وتؤسس النساء من الطبقة المتوسطة (العلوية) تلك الحالة الخاصة: على سبيل المثال، نزيلة نيوبشاري في معرض عرن للفن وافارين نصيري في معرض عون. وفي الحي الدبلوماسي في طهران، ترأس ليلي غوليستون التي ولدت في 1944 ودرست فنون الديكور في باريس، معرض غوليستون. جميع هؤلاء النساء حصلن على خبرة في عرض الفن الناقد بدون الخوض في مواجهات ذات شأن يذكر مع سلطات الرقابة في وزارة التوجيه الإسلامي. عندما تقول افارين نصاري، "على المرء أن يدافع عن فنانيه،" فإن هذا لايعني بشكل رمزي فقط، وإنما بشكل عملي وشامل أيضاً. إن متعهدوا المعارض في إيران الذين يجب عليهم انتظار تصاريح لمعارضهم وكذلك الحصول على موافقة مسبقة لكل معرض قبل موعده بأسابيع، يبدون كطليعة المجتمع المدني: إنهم على الدوام يقومون بإزاحة حدود المسموح به إلى الأمام بمليميترات في كل مرة. يشرح ستة من الفنانين بطريقة تمثيلية المحنة العارضة للفن الإيراني في سياق الحداثة التي أملاها بوحشيته في 1925 رضا شاه بهلوي، والد الشاه الذي أطاح به الخميني؛ وقد وصلت الحداثة لذروتها الأولية في 1958 في بدايات بينالي طهران، الذي ألغته الثورة الإسلامية في 1979 بنفس القدر من الوحشية. السياسة والهوية ونقد الذكورية هي المواضيع التي توحد الجيل المولود بين 1970 و1980 والمتواجد في هذه المعارض. يتخذ أيمان أفسريان وهو من مواليد 1974 موقفاً غاية في الراديكالية، وهو افتراض أنه لم يوجد فن إيراني منذ تقليد المنمنمات الفارسية. إنه يرى أن الفن المعاصر في بلده مجرد "نسخة عن الفن الغربي". هذا الفنان، الذي يعيش حياة عزلة ويعمل كناقد ومحاضر، كما هو حال كثير من زملائه، يقحم نفسه في هذه المعضلة بشكل صريح. ولربما كان هذا السبب في التعاظم الكبير للكآبة الموجودة في صوره الواقعية والكلاسيكية التي يلتقطها لطهران موازاةً مع العولمة: مباني متلاشية وورش صغيرة وتصميمات داخلية يغلب عليها الحنين ولحظات ذكرى حميمة لبيير بونارد وأشياء فن هابط من أسر الناس البسيطة. إنه يتفق مع باربد كلشيري في بغضه للسوق الفني (العربي) وفي ذوقه المفضل. باربد هو الرئيس السياسي والنظري لجيله وهو ابن الكاتب المعاصر الأكثر شهرة في إيران، هوشانج كلشيري، الذي أطلق في 1994 "نداء المائة وأربعة وثلاثون: نحن مؤلفون". ينتقد باربد كلشيري مصطلح "الشرق الأوسط" وتطبيقاته على الفن بشدة. إنه يعتبره اجراء استراتيجي غربي من بقايا الاستعمار واستراتيجية عالمية للولايات المتحدة. وهو يقول أن الغرض من هذا المصطلح وصم المنطقة بأوصاف مثل "الجانب المظلم من العالم" و "مؤخرته" وهذا لايتعدى في تعبيره سوى تعميم يأتي من "الغرب". إنه يلوم فنانين من أمثال شيرين نشأت على "تغريب النفس" وعلى "تجميل" رموز الظلم، مثل العباية والبرقع. الطيف الفني لباربد كلشيري، الحالة النادرة للفنان الذكر الذي يسمي نفسه "نصير لمساواة المرأة"، يتراوح من التصوير من خلال النحت والتركيبات إلى الشعر. ولكنه أيضاً باحث في نظريات الفن ومترجم. وقد حاز مقال من تأليفه على الجائزة الثالثة في بينالي طهران لمتحف الفن المعاصر في 2003. هذا ويعرض كلشيري أعماله في لندن وباريس. لقد عرض عمله ’mΛmı’، وهو تركيب فيديوي يستخدم وسائل الاعلام في تناول التوظيف السياسي للدين في إطار معرض "الدين المعتدل" في مركز الفن والتقنية الإعلامية في كارلسروه في 2009. النسوية عبارة تحريضية في إيران؛ وحقيقة منع النظام بالفعل لاستخدامها سبب كافي لكي يعتنقها كثير من المثقفين. لكن هذا ليس السبب الوحيد للانتشار الواسع لنقد الذكورية، وخصوصاً في أوساط الرجال المخنثين. تعبر صور بهرانغ صمدزادغان الذي ولد في 1979، عام الثورة الإسلامية، والذي يشارك في تحرير المجلة البديلة عبر الانترنت "طهران أفينيو"، عن تحية للنضال التحرري لجيل والدته. بينما يتكرر في فن الرسام شاهبور بويان (المولود في 1979)، استخدام رموز مثل برج على شكل قضيب لتمثيل الصراع على السلطة الذي يمارسه الرجال. وقد عرض بويان في نهاية 2010 عمله سلسلة "الحوافر" في معرض 66 في طهران. يتوج غطاء رأس تقليدي حافر مقطع لحيوان. يلمح بويان بذلك إلى موضوع الحيوانات المسلحة في المنمنمات من أعمال الرسام الفارسي "سياه قلم" في القرن الخامس عشر. لكن نقده لعنف الحكومة الدينية التي تتمترس بعنجهية في الأعالي وترفص كل ما تحتها شديد الوضوح. تجسد سيمين كرامتي (المولودة في 1970) نقيضاً واضحاً للحنين، حيث تستدعي توجهات الفنانين من أمثال أيمان أفسريان. ترفض كرامتي بسخط أي توجه نحو النماذج "التقليدية". وهكذا تفعل فنانة الفيديو والرسم نيجار تهسيلي (المولودة في 1980)، حيث تجمع الرسم بالفيديو والأفلام. إنها تتناول الصراع السياسي الذي واجهته شخصياً كمحاضر في جامعة طهران في عام المظاهرات ضد "إعادة انتخاب" الرئيس أحمد نجاد. لايعرض عملها الفيديو في 2010 "الأرق" شيئاً سوى ستارة تنتفخ بلطف: إشارة مؤثرة "للحركة" التي تحدث بشكل كامل بدون إشارة صريحة للأحداث السياسية، ولكنها تشير أيضاً إلى أن الحركة السياسية قد لاتأتي بشيء. يحتل منظور النسوية وتجربة الجسد الصدارة بالنسبة لتهسيلي. لقد عرضت فيلمها الوثائقي "الرجال الصغار أم النساء" حول سائقات التاكسي من النساء في طهران ودورات الدفاع عن النفس للنساء في 2009 في برلين. يعتقد خبير الفنون ورئيس تحرير مجلة الفن "الفن غداً" التي تأسست مؤخراً في ربيع 2010 حميد كشميرشيكان أن الغاية من "المعاصرة للجميع" تكمن فيما وراء مثل تلك الأعمال. يعبر التوجه نحو وسائل الإعلام الجديدة عن رغبة الفنان في وضع فنه على الصعيد العالمي، وليس على الصعيد الجغرافي فقط. سلسلة الرسوم الزيتية الأحدث لكرامتي، "حمى الدم"، هي تكرار للنمط السائد لدى كثير من الفنانين: تدفق الدم من الأنف. هذا الرمز المميز واضح تماماً في أعمال معصومة مظفري (المولودة في 1958). حيث عرضت هذا الرسامة في معرض "ضربة شمس" في نهاية أكتوبر 2010 في جاليري آزاد صور حقيقية لوجوه أناس عاديين من طهران يوجد على وجنتي كل منهم بقعة دم مميزة. تقدم اللوحات إشارة واضحة لنمط الفنان جوستاف كوربيت، ولكن ذلك لايوحي بأن سبب الإصابة بالجرح يأتي من الخارج. بل يرجح أن الاصابة تأتي من الداخل. "كل الأمر عن التحول،" تقول متعهدة المعارض روزيتا شرف جهان بغموض. وهي كذلك تنتقد توجه الفن الإيراني المعاصر نحو الموضة المتوهجة قصيرة الأجل المستوحاة من الغرب. بينما يروق إلى ذوقها فن مظفري. في رأي شرف جهان، الفن الإيراني هو "هادئ، رتيب، منتظم، ملتفت إلى الداخل". ستة مواقف أتت بمحض الصدفة ولكنها برغم ذلك ذات مغزى: العلامة التجارية الواضحة لهذا الجيل من الفنانين هي الإرادة المطلقة للبقاء في إيران. أحيت المسيرة الضخمة الصامتة التي قامت بها الحركة الخضراء في صيف عام 2009 الأمل في حدوث التغيير الراديكالي. إنها تفضل المناخ السياسي- الثقافي المنعش لبلدها بالمقارنة مع الغرب المتشبع. "أحب هذه التناقضات. لايمكنني العيش في أي بلد آخر،" تقول نيجار تهسيلي، بمزيد من الحماس. لخص باربد كلشيري مؤخراً هذا الموقف بين انعدام الوهم وتوكيد الذات المرح في ظل الظروف البالغة الصعوبة في الصياغة، ولكن ليس بدون رثاء، "لقد قررنا أن نتنفس البغض والدموع والغاز المسيل للدموع عوضاً عن التشبت بأحلام الحنين وخرافات المنفى أو فكرة الفنان الساذج."
|
|
إتصل بنا | مقدمة الناشر وحقوق النشر | النشرة الدورية | بحث | UiU - home |